58. إيران: فيتنام، وليست فنزويلا

🌐 Read in English
58. إيران: فيتنام، وليست فنزويلا

نعم، إيران تكسب الرهان. وبدلاً من أن نواجه سيناريو فنزويلا، وجدنا أنفسنا ننزلق في مستنقع شبيه بفيتنام.

كان أحد الأهداف المحورية لهذه الحرب هو كبح مساعي إيران لامتلاك أسلحة نووية. غير أن طهران سارعت إلى تكييف استراتيجيتها، وابتكرت سلاحاً لعلّه يفوق في فاعليته القنبلة النووية: القدرة على ارتهان إمدادات الطاقة العالمية، وتهديد استقرار دول الخليج، ومعها الاقتصاد العالمي برمته.

للقنبلة النووية تأثير بالغ على مسرح عملياتها؛ فتدميرها فوري، وملموس، ويمكن حصره مبدئياً.

أما سلاح إيران فيتخذ أبعاداً أخرى.

إذ لا تستهدف طهران ضرب مدينة بعينها، بل تتعمد إحداث تداعيات تمتد موجاتها لتضرب أرجاء المعمورة. وعبر التلويح بخنق ممرات مائية حساسة مثل مضيق هرمز، تستطيع إيران التسبب بـ"صدمات بترولية"، واختناقات في التوريد، وموجات تضخمية تطال كل دولة على وجه الأرض... وهذا قبل أن نأخذ في الحسبان أوراقها في باب المندب.

هذا هو حقاً "سلاح الفوضى الشاملة"؛ فهو لا يستهدف شعوباً بعينها بالضرورة، بل يستهدف قوام النظام العالمي بحد ذاته، مما يعني أنه في المحصلة يُهدد استقرار كل إنسان حي.

إن استهداف دول الخليج، بطبيعة الحال، أمر غير أخلاقي، مثله مثل أي سلاح من أسلحة الدمار الشامل. ولكن هذه هي طبيعة مثل هذه الأسلحة: فالدول تلجأ إليها عندما تشعر بأنها محاصرة أو تتعرض للغزو.

هناك سبب آخر لكسب إيران الأرض. وكان الهدف الرئيسي لخصومها هو إنهاء هيمنة إيران الإقليمية. وبدلاً من ذلك، ومن خلال السيطرة على نقاط التفتيش الحيوية وتهديدها بشكل فعال، تعمل إيران على وضع نفسها لتعزيز تلك الهيمنة في المستقبل.

وهنا التحول الأخطر: لم يعد الأمر مجرد طموح أيديولوجي. ولكي يتمكن الحرس الثوري الإيراني من البقاء كنظام، فإن الحفاظ على السيطرة على نقاط التفتيش هذه أصبح ضرورة استراتيجية.

كل شيء يتغير إذا دخلت السعودية، في عهد محمد بن سلمان، الحرب. وهذا من شأنه أن يعيد تشكيل التوازن بالكامل ويمكن أن يعزز المملكة العربية السعودية باعتبارها القوة المهيمنة الإقليمية في المستقبل. ستكون حرباً مؤلمة، لكن التاريخ يظهر أن هذه هي الطريقة التي تصعد بها القوى العظمى في كثير من الأحيان. وعلى النقيض من الأسلحة النووية، فإن هذا النوع من النفوذ يمكن تفكيكه. ولكن فقط إذا كانت الاقتصادات الكبرى ودول الخليج والشعوب الغربية على استعداد لاستيعاب الألم الاقتصادي الحقيقي والعمل بشكل جماعي لمواجهة الحرس الثوري الإيراني وهزيمته.

ومن هذا المنظور فإن الولايات المتحدة تواجه واقعاً صعباً. وإذا ظلت الدولة الوحيدة التي تخوض هذه المعركة، فإن الانسحاب يصبح الخيار العقلاني. هذه ليست حرباً يمكن لأميركا المنقسمة أن تخوضها بمفردها بشكل مستدام. قد يحدث هذا، ولكن التكاليف لن تكون مبررة، وخاصة إذا انتهت الولايات المتحدة إلى تحمل كل الأعباء الثقيلة.

...
claps