تتشارك إسرائيل وأرض الصومال تجربة مريرة ومتقاربة، تتلخص في العزلة عن المحيط ورفض الجيران الإقرار بوجودهما، بل وطموح البعض في محوهما من الخريطة. من هذا المنطلق، أكنّ، بصدق، تفهماً عميقاً لإسرائيل وما تكابده في صراعها لأجل البقاء. ولا ينبع موقفي هنا من مبدأ الاعتراف المتبادل بين الدولتين، بل يستند أساساً إلى قراءة واعية لمتطلبات لعدالة والواقعية في العلاقات الدولية.
رغم كل ذلك، تقف إسرائيل اليوم على مفترق طرق حاسم. ففي ظل سياسات نتنياهو، باتت إسرائيل تحشد الخصومات وتقلّص مساحة أصدقائها، والهجوم على الحكومة السورية إلى جانب طموحات التوسع الإقليمي خير شاهدٍ على ذلك. من هنا، تغدو حاجة إسرائيل الماسة إلى إفراز قيادة سياسية ورؤية جديدة في الانتخابات القادمة أكثر إلحاحاً؛ قيادة تدرك أنه لا بد للاتفاقيات الإبراهيمية أن تتخطى بعدها الرمزي لتأسيس حل جذري ونهائي للقضية الفلسطينية.
ويقتضي الإنصاف الإقرار بأن جزءاً كبيراً من حالة الاضطراب الإقليمي ينحدر، بشكل أو بآخر، من تداعيات القضية الفلسطينية. فإذا ما انبثقت في الشرق الأوسط خريطة طريق واضحة وقابلة للتطبيق لبناء سلام دائم، فلن يتبقى أمام إيران وأذرعها بالمنطقة متسع لتوظيف القضية الفلسطينية كذريعة أو "حصان طروادة" لتمرير مشاريعهم التوسعية الأيديولوجية.
لا يمكن أن تكون اتفاقيات إبراهيم V2 قائمة أمنيات. ويجب أن يكون اتفاقاً منظماً يتضمن مساراً واضحاً ونهائياً نحو السلام الإقليمي.
وهنا تكمن أهمية الواقعية. وتخبرنا الواقعية أن الدول ذات السيادة لا تخسر الأراضي التي اكتسبتها بالقوة دون صفقة ذات معنى. فالانتقاد وحده، مهما كان ثابتا، لا يغير الحدود. ولهذا السبب يظل النهج الحالي في التعامل مع الدولة الفلسطينية معيباً إلى حد كبير.
علاوة على ذلك، وعقب أحداث غزة، بات من السذاجة الترويج لفكرة أن التجاور بين كيانين سياديين ومسلحين بالكامل سيُفضي إلى سلام مستدام وتجنب دوامة الصراع. لقد أمست سردية "حل الدولتين"، بصيغتها التقليدية، أقرب إلى ردود الفعل الدبلوماسية المستهلكة منها إلى استراتيجية حقيقية قابلة للتنفيذ.
المسار الأكثر واقعية هو حل الدول الثلاث:
- إسرائيل
- مصر (إدارة غزة)
- الأردن (إدارة الضفة الغربية)
ومن الممكن أن تتخذ هذه الترتيبات هيئة إدارات على النمط الفيدرالي مع مسؤوليات أمنية محدودة، وتركز على الحكم والاستقرار بدلاً من العسكرة. ستبقى المستوطنات اعتبارًا من أواخر عام 2025، مع خيارات منظمة للنقل عند الضرورة لدعم إطار حدودي أكثر تماسكًا.
وفي ظل تصاعد موجة عالمية من العداء للسامية، لم يعد إنجاز سلام حقيقي مع دول الطوق المجاورة خياراً يمكن تأجيله للإسرائيليين، بل ضرورة يمليها الواقع. ومن شأن صياغة توافقات جدية وقابلة للتطبيق مع مصر والأردن والمحيط العربي الأشمل أن تدمج وتثبت إسرائيل في نسيج المنطقة؛ وهو درع حماية أمتن بأشواط من التعويل الحصري على التيار المحافظ الأمريكي، الذي لا يمثل سوى جزء من واشنطن، مما يجعله نقطة ضعف قاتلة ورهاناً محفوفاً بالمخاطر تتجلى حقيقته مع كل دورة للانتخابات الأمريكية.