61. لن يستقر الشرق الأوسط بالحرب مع إيران

🌐 Read in English
61. لن يستقر الشرق الأوسط بالحرب مع إيران

إن اندلاع مواجهة عسكرية مع إيران لن يكون الوصفة السحرية لإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط. فالاستقرار الحقيقي ينبع من كبح جماح السياسات التوسعية، والارتقاء بنظم الحوكمة الداخلية، وتهيئة المناخ لتنافس سلمي بين النماذج والتوجهات الإقليمية المختلفة.

يُصور الصراع الراهن وكأنه المنعطف الحاسم الذي سيصيغ مستقبل المنطقة، وهو تصور تشوبه الكثير من التبسيطات. فحتى وإن نجحت المساعي في إضعاف إيران، فإن ذلك لن يعالج الجذور العميقة لعدم الاستقرار، إذ تستمر هشاشة مؤسسات الدولة، وإخفاقات الحوكمة، والأنظمة السياسية المتناحرة، في تفريخ الأزمات بمعزل عن النفوذ الإيراني.

ويرتكز الإطار الواقعي للتعامل مع أزمات المنطقة على ثلاثة دعائم رئيسية: التصدي للنزعات التوسعية، وإرساء دعائم حوكمة مسؤولة ورشيدة، والقبول بنمط من المنافسة المنظمة بين الرؤى الإقليمية.

التوسعية وسيادة الحدود

يقوم النظام الدولي بالأساس على الحفاظ على حدود الدول كما آلت إليها عقب نيل استقلالها. وكل المحاولات الرامية إلى العبث بهذه الحدود أو فرض هويات سياسية عابرة للأوطان لا تفضي إلا إلى مزيد من الفوضى والسيولة.

ومن الناحية العملية، يمكن تتجلى النزعة التوسعية بأوضح صورها، حيث تمتد أذرع النفوذ الإيراني عبر شبكات معقدة من الوكلاء المنتشرين في دول عدة. وفي سياق آخر، تطفو على السطح مشاريع الوحدوية التي تتحدى الحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية في القارة الأفريقية، كمشروع "الصومال الكبير".

وفي مقابل ذلك، تبرز الادعاءات بتوسعية إسرائيلية، وهي ادعاءات تفتقر إلى شواهد عملياتية راسخة وحاسمة. فالاستراتيجية الإسرائيلية لطالما احتكمت أولوياً للاعتبارات الأمنية، وتشهد السوابق التاريخية بمرونة قادتها نحو مقايضة الأرض بسلام معاهدات معترف بها، كاسترجاع مصر لسيناء. إن التمادي في تصوير إسرائيل ككيان توسعي يطمس الخط الفاصل بين الاستهلاك الإعلامي والسلوك الفعلي على الأرض.

ولبناء نظام مستقر، يتعين أولاً وضع محددات واضحة ودقيقة لتعريف التوسع الحقيقي وتجلياته.

ولا يقتصر التوسع العابر للحدود على الدول وحدها، بل قد يتمدد عبر كيانات وأيديولوجيات عابرة للأوطان، ولعل التيارات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين تجسد هذا النموذج. ففي حين أن الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية والمتموقعة داخل حدود الدولة الواحدة يمكن أن تشكل امتداداً طبيعياً ومستساغاً للممارسة الديمقراطية المحلية، إلا أن الخطر يكمن حينما تتضافر جهود القيادات والمرجعيات الدينية والشبكات الاقتصادية متجاوزةً الحدود الوطنية لتصب في مسار مشروع سياسي شمولي، فهنا يتولد نزوع توسعي صريح. وعلى امتداد شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، تسعى بعض الفروع داخل هذه المنظومات لتعزيز أنماط من الاندماج تقوض أركان الدولة الوطنية المعاصرة، متماهية مع خيالات فضفاضة كالخلافة الجامعة. وهذا ما يضعها ضمن خانة الأيديولوجيات التوسعية التي توجب التصدي لها بشتى السبل.

الحوكمة الرشيدة: ركيزة الاستقرار

إن مسببات عدم الاستقرار في المنطقة لا تنحصر في التدخلات الخارجية بل تتغذى بذات القدر من إخفاقات الحوكمة الداخلية.

وتقدم حالات كُلٍ من لبنان وسوريا وجنوب السودان والسودان أدلة دامغة على أن ترهل المؤسسات وغياب مبدأ المساءلة كفيلان بإدامة دورات الصراع وإطالة أمدها حتى بمعزل عن أي مؤثر خارجي طاغٍ.

الأنظمة العقيمة التي تعجز عن التكيف الداخلي والتطور مآلها الحتمي التآكل والاضمحلال. لذا، تبرز الأهمية الملحة لتطوير هياكل حوكمة تكفل توسيع المشاركة المجتمعية، وتتيح قنوات التصحيح السلمي، وتؤمّن الشرعية اللازمة، سواء أكان ذلك في كنف الديمقراطيات التداولية أوالنظم النابعة من التقاليد والمرجعيات المحلية.

التدخلات الخارجية وشبح التشرذم

يعد التدخل الخارجي، متى تجاوز تعقيدات وتوازنات الداخل، عاملاً محفزاً للتشظي لا للاستقرار.

ولنا في جنوب اليمن خير شاهد، حيث أسفرت العمليات العسكرية للتحالف عن تصدعات عميقة في بنية المعسكر المناهض للحوثيين، مما أضعف دعائم السلطة الشرعية وصب في المحصلة، وبطريقة غير مباشرة، في صالح الكيانات الأكثر انضباطاً وتماسكاً كجماعة الحوثي.

فحين تفسح المنافسة السلمية المجال لسياسات الإكراه، لا مفر من أن التجزئة والتمزق سيكونان النتيجة الطبيعية.

محدودية الحلول العسكرية

لا تُنكر قدرة الخيار العسكري على تحجيم الميليشيات والأذرع المسلحة، بيد أنه يقف عاجزاً عن ترميم الشروخ الهيكلية في بينة الدول المنكوبة.

ولهذا أصبح من الضرورة بمكان أن تضع الحرب القائمة حالياً مع إيران أوزارها، خاصة وأن المكتسبات الآنية قد تسفر عن تداعيات غير محمودة العواقب على معدلات الاستقرار الإقليمية.

إن استمرار نشاط الحرس الثوري الإيراني يوفر دافعاً لدول الخليج لتقليص حدة التنافس فيما بينها والاصطفاف لمواجهة خطر وجودي مشترك، ولربما يتمخض عن انكفاء إيران "انتصار" معنوي ورمزي، مما سيقلص احتمالات المواجهات الشاملة وتدوير الصراع، بما في ذلك الأعمال الانتقامية مع إسرائيل في أعقاب النزاع في غزة. هكذا أجواء ستفسح المجال رحباً أمام استئناف قطار المصالحة والتطبيع العربي الإسرائيلي، ما سيقيد، في مآلاته، من فرص إيران والجماعات المسلحة في استغلال بؤر التوتر والمناطق الملتهبة التي لم تحسم أزماتها بعد.

لقد أثمرت الإجراءات التي اتخذتها واشنطن في إضعاف الترسانة العسكرية والبرنامج النووي الإيراني بصورة لا تخطئها العين. غير أن أي تحول جذري ومستدام داخل هياكل صنع القرار في إيران مرهون بالأساس بمسار التطور الداخلي، وليس بالاعتماد المطلق على الضغوطات القادمة من الخارج.

وفي حال عودة طاحونة الحرب مجدداً وإفضائها إلى انهيار الدولة الإيرانية، فلا عاقل يتوهم بأن الاستقرار سيعم المنطقة. بل إن السيناريو الأرجح هو تفتت مقاليد السلطة ونشوء أجنحة متعددة (على غرار الحرس الثوري) بالتزامن مع تفاقم المخاطر المحيطة بالممرات الملاحية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز ومرافق الطاقة الحساسة الممتدة على طول الخليج.

وبناءً عليه، فإن أي رهان يبني على تصور أن تحييد فاعل واحد سيبسط الأمن ويعمم الاستقرار في المنطقة برمتها، إنما ينطلق من حسابات خاطئة وتقييم مختل لطبيعة ومصادر التهديدات.

الفضاءات الإقليمية التنافسية

تتجه المنطقة بخطى حثيثة نحو بناء تحالفات مرنة ومتداخلة عوضاً عن التمترس خلف تكتلات تقليدية جامدة.

ويُبنى الإطار الأول حول محور يضم الولايات المتحدة، إسرائيل، الإمارات، إلى جانب شركاء حلفاء آخرين. هذا الاصطفاف يجعل من صون أمن الدول، وضمان تناغمها الاقتصادي، والدفع نحو التنمية السياسية المتزنة والمدروسة أولويات عليا. وتُقدم أرض الصومال في هذه المقاربة باعتبارها نموذجاً حياً لامتداد مشاريع التنمية والاستقرار دونما نوايا توسعية.

وعلى الضفة الأخرى، تعكف أطراف مختلفة، كتركيا وباكستان، على رسم مسارات بديلة تنأى بها عن هذا النسق الاستراتيجي، فيما تتعاطى المملكة العربية السعودية مع هذه المتغيرات باستقلالية، فتصطف بما تمليه عليها براغماتية المرحلة سعياً لتعزيز نفوذها ومقارعة الآخرين في بسط الهيمنة.

ولا يحمل هذا التنافس المحتدم في طياته بذور الفوضى وزعزعة الاستقرار بالضرورة؛ إذ أن صيرورة التجاذبات المنظمة تُتيح متنفساً لاختبار مدى نجاعة النماذج والمقاربات المطروحة من خلال نتائجها الملموسة على أرض الواقع، بدلاً من إكراه الآخرين على اتباعها عنوة والقضاء على خصوصياتهم التي نشأوا عليها.

إعادة وضع إيران في نصابها

لا تعدو إيران عن كونها متغيراً من جملة متغيرات فاعلة ضمن سياق الإقليم الأشمل، ولا ريب في محورية دورها وتأثيره البالغ ولكن ليس إلى درجة التقرير الحاسم أو الهيمنة المنفردة.

فمساعي إسقاط الحكم القائم فيها من الخارج لا يعود بنتائج محمودة وتأثيرات تدوم؛ التحول الحق والمستدام هو الذي يولد وينضج من الداخل عبر مراكمة النتائج الإيجابية بمرور الوقت وارتفاع درجة القبول.

ولا يقف الرهان على تحجيم تمددها وتقليص تأثيرها عند حدود المجابهات والتصعيد المستمر؛ فالبدائل الناجحة وإحلال النماذج الديمقراطية أثبتت جدارتها في درء الأخطار ووضع حد للارباكات التي تخلفها هذه التدخلات.

إسرائيل وتحدي القضية المركزية

تحتل إسرائيل موقعاً متقدماً ضمن مصفوفة التحالفات والأحلاف التي تتشكل في الجغرافيا المحيطة.

ومن شأن تسوية صراعها مع الجانب الفلسطيني أن يفضي إلى إحداث تغييرات جوهرية ذات وقع استراتيجي عميق؛ فالوصول إلى حل منصف يُسهم بفاعلية في زعزعة المشروعية التي تتذرع بها تنظيمات متطرفة وحركات إرهابية، وهو ما سينأى أيضاً بإيران عن توظيف هذه الورقة كورقة رابحة تمرر من خلالها مشاريعها التوسعية وتشغل شبكتها المتشعبة من الوكلاء المنتشرين هنا وهناك.

إن زوال هذا العامل من دائرة الصراع، سيقلص، بل ويقوض من قدرة هذه الجماعات وكل أطراف التأزيم الخارجي عن جمع الأنصار ومراكمة التعاطف مع برامجهم الهدامة وتوجهاتهم المقوضة للأمن والسلم.

ذلك هو الجذر والعائق الهيكلي الذي إذا ما حُسِم سينكفئ معه غول الارهاب وتتداعى دعائمه الارتكازية، وهو أولوية رئيسة وليست إحدى تفريعات الهوامش الثانوية للأزمات المفتعلة في المنطقة.

الخلاصة

شن الحرب على إيران ليس مفتاحاً ولا عصاً سحرية يمكن أن يقضي على مشكلات الشرق الأوسط المستعصية ويكتب نهاية فصل مأساوي في الصراعات.

الاستقرار لا يتأتى إلا متى ارتوت جذوره برفض عقلية التوسّع، وعُمولت المؤسسات لتكون قادرة على الإصلاح من داخلها، والمسارعة بفك الاشتباكات وتوفير منصة سلمية آمنة تضيق على الاستقطابات الحادة وتتيح المجال أمام تلاقح الرؤى والمشاريع.

صحيح أن الأعمال العسكرية تحد من الجموح لكنها لا تخلق نظاماً دقيقاً ولا تنظيماً اجتماعياً فعالاً، وفي العديد من سوابق التاريخ لا تعدو نتائجها أن تزيد الطين بلة والمواجهات تفاقماً واستعاراً بدلاً من نزع فتائل المحرضات من الجذور.

بالنسبة للدائرة الأهم لدى الولايات المتحدة، يتداخل الجانب الاهتمامي بمدى عمق الإرث التاريخي الموروث.

رغبة الرئيس دونالد ترامب، إن صدقت الرؤى وكانت محط تقييم التاريخ، هي إرساء بصمة الرجل الذي دق مساميراً في نعش النفوذ، وحد من سباق التسلح النووي وكبح جماح طموحها المقيت. والمحصلة النهائية، رغم إمكانية إخضاعها للتقييم، ستظل ضمن نطاق وأطر محدودة ومعلومة الملامح.

والإرث الأكثر أهمية هو بناء نظام إقليمي قادر على تصحيح نفسه، ويقلل من حوافز التوسع، ويحد من الحاجة إلى التدخل العسكري المتكرر.

مثل هذا الأمر لن يعتمد على القوة المستمرة. فهو يسمح للأنظمة المتنافسة بالعمل ضمن حدود قانونية وواقعية، مع نشوء الاستقرار من الأداء وليس من الإكراه.

ولن تستقر المنطقة عندما يُهزم طرف واحد.

وسوف تستقر عندما يثبت النظام أنه قادر على الحكم بفعالية، وحل الصراعات، والحفاظ على الشرعية دون الاعتماد على أي جهة فاعلة واحدة.

...
claps