لا أكتب كثيرا عن الإمارات ومسألة اعترافها بصوماليلاند. والسبب بسيط. فالإماراتيون يعرفون صوماليلاند جيدا، ويعرفون شعبها، ويتعاطفون مع قضيتها، ويدركون وجاهة حجتها. ويتعامل مكتبهم التمثيلي في هرجيسا مع صوماليلاند مباشرة، لا عبر مقديشو. وبهذا المعنى العملي، تشبه العلاقة الصيغة المتبعة في التعامل مع تايوان، حيث تمضي العلاقات المباشرة من دون حسم القضايا الرسمية العالقة.
لا تحتاج أبوظبي إلى مقال جديد يشرح لها لماذا يخدم الاعتراف مصالحها. فالقضية وحججها معروفتان لديها، والسؤال المعلق ليس لماذا، بل متى.
لذلك لا يتوجه هذا المقال إلى الإمارات، بل إلى من يريد أن يفهم من الخارج عمق هذه العلاقة، وكم تجانب الحقيقة السردية التي تصور صوماليلاند مجرد وكيل للإمارات في منطقة مضطربة.
الضجيج يسبق التحرك الدبلوماسي
يكفي البحث عن الإمارات وصوماليلاند معا حتى يظهر النمط نفسه. تُحشر صوماليلاند في تقارير تتناول قوات الدعم السريع في السودان، وفصائل ليبية، وشبكات مسلحة، ثم تقدم كأنها تنتمي إلى الفئة نفسها. وقد ذهب تحليل حديث إلى إدراج دولة ديمقراطية ضمن ما سماه كوكبة من الفاعلين غير الحكوميين المتحالفين مع أبوظبي.
هذه المقارنة باطلة من أساسها. فقوات الدعم السريع قوة مسلحة تنازع على السلطة داخل السودان، والفصائل الليبية تتنافس داخل دولة أنهكتها الانقسامات. أما صوماليلاند فهي دولة تحظى باعتراف جزئي، ولها حكومة ودستور وانتخابات وأرض محددة ومؤسسات عامة ومطالبة قانونية تستند إلى استقلالها عام 1960. وضع هذه الحالات في سلة واحدة لا يفسر سياسة الإمارات، بل يمحو إرادة صوماليلاند السياسية.
وظهر الأسلوب نفسه قبل اعتراف إسرائيل بصوماليلاند وبعده. فقد روجت شائعات أن صوماليلاند ستستقبل فلسطينيين مهجرين من غزة أو ستستضيف قاعدة عسكرية إسرائيلية ثمنا للاعتراف. ورغم أن صوماليلاند نفت الادعاءين رسميا، ظلت الشائعة أوسع انتشارا من نفيها. وهذه هي المقاربة الإعلامية نفسها التي ناقشتها في رواية لوموند عن بربرة. تقوم الحيلة على ملء المجال العام بالريبة قبل أي تحرك دبلوماسي جديد لصوماليلاند، حتى يبدو كل تقدم لاحق مشبوها قبل وقوعه.
من حق الصحافة أن تدقق في سياسات الإمارات. لكن ليس من حقها حشر صوماليلاند مع كل طرف تعامل مع أبوظبي. ولا يجوز تجريد بلد من صفة الدولة في لغة التقارير لمجرد أن الكاتب يعارض أحد شركائه.
ساحلان بعقلية واحدة
تبدأ العلاقة في مستوى أعمق من الدبلوماسية الرسمية. تطل الإمارات وصوماليلاند على اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق هرمز وباب المندب. وعلى مدى قرون، اتجهت أنظار المجتمعين إلى الخارج عبر طرق التجارة التي ربطت الجزيرة العربية وأفريقيا والهند. وفي العمق الاجتماعي لكليهما تقاليد رعوية وعشائرية راسخة، تقابلها سواحل منفتحة على التجارة. وقد صنع هذا التزاوج مزاجا سياسيا مشتركا، متجذرا في الداخل، ومنفتحا على العالم، وقادرا على الجمع بين الموروث والتجارة الدولية.
ويكشف التاريخ الحديث وجها آخر لهذا التشابه. فقد جمعت الإمارات سبع وحدات سياسية متماسكة في اتحاد مستقر. وقامت صوماليلاند بدورها على اتحاد سياسي ضم أكثر من سبع جماعات عشائرية، ورسخته معاهدات الحماية التي بدأ شيوخها إبرامها مع بريطانيا عام 1884. لا تحمل صوماليلاند كلمة اتحاد في اسمها، لكن دولتها قامت على جماعات اختارت فضاء سياسيا مشتركا. وقد بنى البلدان اتحادهما القابل للحياة من القاعدة إلى القمة.
وبعد نجاح العقد الداخلي، طمح كل طرف إلى مشروع أكبر. درست الإمارات المتصالحة إقامة اتحاد أوسع يضم قطر والبحرين، فيما تطلعت صوماليلاند إلى مشروع وحدوي صومالي أرحب. أدركت الإمارات سريعا ومن دون إراقة دماء أن الاتحاد القابل للاستمرار سيكون أصغر. أما صوماليلاند فدفعت ثمنا فادحا حتى وصلت إلى النتيجة نفسها.
في 1 يوليو 1960، دخلت صوماليلاند في اتحاد بحكم الأمر الواقع مع دولة الصومال، التي كانت خاضعة سابقا للإدارة الإيطالية. ولم تكتمل محاولة الاتحاد بين الدولتين المستقلتين من الناحية القانونية. ثم جاءت الدكتاتورية والعنف الجماعي، قبل أن تستعيد صوماليلاند سيادتها عام 1991. حافظت الإمارات على الاتحاد الذي نجح حين قبلت أن المشروع الأوسع لن ينجح. أما صوماليلاند فتعلمت عبر الكارثة أن اتحادها الأول هو الذي كان يستحق الحماية.
ويجعل هذا التاريخ أسباب التقارب أوضح. يسعى البلدان إلى التحديث من دون الاغتراب عن هويتهما. وكلاهما يقدر النظام السياسي والطموح التجاري والاعتزاز الوطني، ويدرك أن الانفتاح على العالم يكون أقوى حين يصدر عن ثقة راسخة في الداخل. تختلف قصة استمرارية دولة صوماليلاند قانونيا عن قصة الاتحاد الإماراتي، لكنهما تنطلقان من منطق سياسي واحد، أن يخدم شكل الدولة مجتمعا حقيقيا.
الألفة أبقى من العقود
تمثل أعمال موانئ دبي العالمية في بربرة أبرز مظاهر هذه العلاقة، لكنها ليست منبعها. فقد طورت الشركة الميناء، وافتتحت المنطقة الاقتصادية، وأنشأت خط شحن مباشر بين بربرة وجبل علي. تحركت هذه المشروعات لأن الطرفين رأيا الفرصة نفسها. فمن الممكن تحويل موقع بحري أهمل طويلا إلى بوابة تجارية، ولا ينبغي للمسلمات الموروثة أن تملك حق النقض على المستقبل.
لهذا لا يمكن اختزال العلاقة في صفقة. استثمرت الإمارات لأنها فهمت صوماليلاند مبكرا. لم تنشئها، ولم تشتر ولاءها، ولم تحول فصيلا مسلحا إلى حكومة. بل وجدت مجتمعا سياسيا قائما يشاركها تقدير النظام والانفتاح التجاري والرغبة في الإنجاز.
ولا تكفي الجغرافيا وحدها لتفسير هذه الألفة. فإيران والسعودية أقرب إلى الإمارات، والصومال يشترك مع صوماليلاند في اللغة. لكن القرب واللغة لا يصنعان الثقة تلقائيا. وقد تكون الوطنية والطموح والاستعداد لكسر الجمود روابط أعمق بين المجتمعات السياسية. وهذا هو جوهر توجه صوماليلاند نحو دبلوماسية الألفة أولا.
أبوظبي تختار توقيتها
أصبحت الإمارات قوة متوسطة صاعدة لأنها تعرف متى تتجاوز القيود الموروثة. وكان قرارها مغادرة أوبك وأوبك بلس، اعتبارا من 1 مايو 2026، إعلانا صريحا عن استقلال قرارها الاقتصادي، وهو أبعد أثرا من الاعتراف بصوماليلاند. فالقرار تعلق بمؤسسة تقودها السعودية مباشرة، ورسخ صورة الإمارات بوصفها قوة مستعدة للعمل وفق تقديرها لمصلحتها الوطنية.
ولا ينبغي أن يتطلب الاعتراف بصوماليلاند مواجهة مماثلة. فقد أخطأ موقف الرياض الرافض للاعتراف الإسرائيلي في قراءة مصالح صوماليلاند والسعودية معا. إن وجود حكومة مقتدرة وصديقة على خليج عدن يعزز أمن التجارة العربية. أما إبقاء تلك الحكومة معزولة بينما يهدد الحوثيون الملاحة على الضفة المقابلة، فلا يحمي النظام الإقليمي.
وقد أثبتت الإمارات بالفعل أن الموقف التقليدي للاتحاد الأفريقي ليس حق نقض تلقائيا. فقد افتتحت قنصلية في العيون، وأكدت علنا السيادة المغربية على الصحراء الغربية. وبصرف النظر عن الاتفاق مع هذا الموقف أو الاعتراض عليه، تثبت السابقة أن أبوظبي قادرة على قراءة قضايا السيادة المتنازع عليها في ضوء مصالحها وتقديرها للقانون الدولي.
الاعتراف يعيد توازن الساحل
هذه ليست دعوة إلى استعجال المسار أو فرض موعد عليه. يعرف أبناء صوماليلاند أن العلاقة مع الإمارات أعمق من البيانات العلنية. وقد تعاملت الإمارات معها كدولة شقيقة بالفعل، وينبغي أن يصدر الاعتراف الرسمي عن الثقة نفسها التي بنت هذه العلاقة.
الغاية الأوسع هي التوازن. كان اعتراف إسرائيل تاريخيا، لكن لا ينبغي أن تظل صوماليلاند معتمدة على دولة واحدة تعترف بها. يحتاج السلام إلى تعاون إسرائيل والعالم العربي والعالم الإسلامي الأوسع مع صوماليلاند، من دون مطالبتها بوضع سياستها الخارجية تحت وصاية طرف واحد. وتملك الإمارات قدرة فريدة على بناء هذا الجسر بما تتمتع به من ثقة في هرجيسا ونفوذ في العواصم العربية ورصيد من القبول في الغرب.
توقعت صوماليلاند أن يفتح الاعتراف الإسرائيلي أقصر طريق إلى الاعتراف الأميركي، لكن واشنطن لم تلحق به حتى الآن. وقد تكون الإمارات أقدر على حمل القضية إلى الولايات المتحدة والنظام الدبلوماسي الأوسع. ولا يكون ذلك بالتحرك ضد إسرائيل، بل بإخراج الاعتراف من صورة الاصطفاف الضيق وتقديمه بوصفه خيارا يحظى بقبول أوسع وينسجم أكثر مع المصالح العربية. ويتوافق هذا الدور مع التوازن الإقليمي الذي ناقشته في الاتفاقية الإبراهيمية واتفاق مكة، ومع الحاجة إلى سياسة عربية أكثر واقعية.
لا وجه لمقارنة صوماليلاند بأي من الفصائل المتحاربة في السودان أو ليبيا. فتلك أطراف مسلحة شكلتها حروب أهلية داخل دول قائمة، بينما تمثل صوماليلاند القصة السياسية المعاكسة. فقد حولت الصراع إلى سلام، وبنت ديمقراطيتها على توافق محلي، واستعادت دولتها التي تستمد شرعيتها من شعبها وسيادتها السابقة ومؤسساتها الديمقراطية واستمراريتها القانونية. كما أن صوماليلاند ليست حالة انفصال. فمحاولة اتحادها بحكم الأمر الواقع مع دولة الصومال المستقلة لم تكتمل قانونيا، وتنتمي إلى تاريخ الاتحادات السياسية الفاشلة بين دول ذات سيادة. وهي أقرب إلى خروج سوريا من اتحادها مع مصر، أو إلى مشروع الاتحاد الأوسع الذي بحثته الإمارات وقطر والبحرين ولم يتحقق، منها إلى حالة فصيل ينتزع أرضا من دولة قائمة.
لن ينشئ الاعتراف الإماراتي صوماليلاند، ولن يحولها إلى مشروع إماراتي. بل سيقر بدولة قائمة، ويحفظ للعرب دورا في مستقبلها، ويمنع دفع شريك استراتيجي إلى الارتهان لقوة واحدة.