رحب الرئيس ترامب بـاتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. الاتفاق، الذي وقع في 7 أغسطس، جمع الثقل المالي السعودي والقدرة العسكرية التركية والوزن الاستراتيجي الباكستاني في إطار دفاعي واحد. ثم جاء الاحتفاء السعودي بتصريح ترامب، وإعادة نشره عبر حساب السفارة الأميركية في الرياض على منصة إكس، ليمنح الترحيب وزنا دبلوماسيا يتجاوز المجاملة.
يبدو أن تأخر الموقف الأميركي كان مقصودا. والأهم أنه ترك للدول الإقليمية مساحة أوسع للفعل. واشنطن مستعدة لتفويض قدر أكبر من المسؤولية، لكنها لا تزال الجذع الذي تتصل به شبكة التحالف.
لهذا لا تمثل مكة والاتفاقية الإبراهيمية شجرتين متواجهتين. إنهما فرعان داخل بنية تحالف أميركية واحدة، يتنافسان من دون أن ينفصلا عن المركز الاستراتيجي نفسه.
التنافس لا يكسر الفروع
فتحت الاتفاقية الإبراهيمية طريقا للنظام الإقليمي يقوم على التطبيع والتجارة والعلاقات بين الدول. ويضيف اتفاق مكة الدفاع المشترك وتقاسم الأعباء. لا حاجة لدمج المسارين في مؤسسة واحدة، ولا مصلحة في ترك التنافس بينهما ينزلق إلى الحرب. المطلوب أن يتنافسا على إنتاج الاستقرار.
وتؤكد تركيا أن التباعد الحالي ليس قدرا دائما. فوزارة خارجيتها تسجل أنها اعترفت بإسرائيل عام 1949. الخصومة الراهنة لا تمحو ذلك التاريخ، وتبقي باب التقارب العملي مفتوحا عندما تفرضه المصالح.
ومع ذلك، يحتاج الفرع الإبراهيمي إلى نمو جديد. فقد دعت استراتيجية الأمن القومي الأميركية إلى توسيع الاتفاقية. ومن دون أعضاء جدد ووظيفة متجددة، سيبدو الفرع الإبراهيمي أجرد بينما يمتد فرع مكة.
ويحتاج التنافس إلى قواعد واضحة. يقاس نجاح اتفاق مكة بقدرته على التنسيق والردع وتقليل الحاجة إلى التدخل الأميركي. ويقاس نجاح الاتفاقية الإبراهيمية بتوسيع التطبيع والتجارة وترسيخ سلام تحميه التزامات قابلة للإنفاذ. وإذا نقل أي مسار صراعه إلى الآخر، فعلى واشنطن أن تقيد الامتيازات بدلا من مكافأة التعطيل.
الدبلوماسية تعالج عجز القوة
هذا هو التنافس السلمي الذي يحتاجه الشرق الأوسط، لا مزيدا من العنف والحروب. فوقف حرب إيران يفرض انخراطا دبلوماسيا أميركيا أكبر، لأن القوة صنعت ضغطا ولم تصنع تسوية. يمنح اتفاق مكة القوى الإقليمية مسؤولية أمنية أوسع، فيما تبقي الاتفاقية الإبراهيمية التطبيع غاية للنظام الإقليمي الأوسع.
وينطبق المنطق نفسه على غزة. تستطيع واشنطن الضغط على فرع حين يعطل الآخر السلام، عبر ترجيح كفة التأييد وفتح أبوابها الدبلوماسية أمام الطرف الأكثر تعاونا. ليست الغاية اختيار منتصر دائم، بل إبقاء المنافسة سلمية وربط المسارين بالاستراتيجية الأميركية.
صوماليلاند تدخل بإرادة مستقلة
فماذا يعني ذلك لصوماليلاند؟ على واشنطن ضمها إلى الاتفاقية الإبراهيمية قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، باعتبارها مكسبا سريعا للسياسة الخارجية الأميركية. فقد اعترفت إسرائيل بصوماليلاند، وتصف الإمارات شراكتها الاقتصادية العميقة معها بأنها قائمة على بربرة وموانئ دبي العالمية. لذلك تمثل صوماليلاند العضو الطبيعي التالي.
وعندئذ تستطيع واشنطن درس نقل بعض المهام الموزعة حاليا على منشآتها في السعودية وقطر تدريجيا إلى صوماليلاند. تمنح بربرة واشنطن وصولا إلى خليج عدن، وتقع على مسافة تزيد على ألفي كيلومتر من إيران. هذا تنويع استراتيجي لا انسحاب مفاجئ، واختبار لقدرة فرع مكة على تحمل مسؤولية دفاعية أكبر مع تقليص الحماية الأميركية المباشرة.
ينبغي لصوماليلاند أن تنضم إلى الفرع الإبراهيمي من دون أن تتنازل عن قرارها. عليها إدارة علاقاتها مع السعودية وتركيا بنفسها، وبناء دبلوماسية عربية واقعية تبحث عن أرضية مشتركة لمنافسة صحية. الدولة صاحبة الإرادة لا تختار فرعا فحسب، بل تسهم في تحديد اتجاه شجرة التحالف كلها أمام التهديدات المشتركة الحقيقية.