الصورة: مظاهرات 1954 ضد تسليم بريطانيا لإقليم الهود في صوماليلاند إلى إثيوبيا
كثيرون لا يعرفون لماذا قررت صوماليلاند تجربة الوحدة مع الصومال عام 1960 (وهي وحدة لم تتم بشكل قانوني أبدًا، كما وثقت في مقال The Union That Never Existed). القصة لم تبدأ من شعار القومية الصومالية على الإطلاق. بل بدأت من جرح سياسي أعمق بكثير تركه الاستعمار البريطاني. في أواخر القرن التاسع عشر، وقّعت بريطانيا معاهدات حماية مع قبائل صوماليلاند. لاحقاً، دخلت بريطانيا في اتفاقات مع إثيوبيا أدت إلى فصل مناطق واسعة كان يستخدمها أهل صوماليلاند تاريخياً. تم تسليم منطقة الهَوْد والمناطق المحجوزة بالكامل للسيطرة الإثيوبية.
ما اقتُطع من صوماليلاند لم يكن مسألة بسيطة. لقد كان يُقدَّر بحوالي ثلث أراضي صوماليلاند الأصلية. ولم تكن هذه الأراضي مجرد مساحة خالية على الخريطة. كانت جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس اليومية، ومناطق الرعي، ومصادر المياه، والعمق الاقتصادي، والهوية الاجتماعية. عندما تحركت الحدود، تم اقتطاع شعب كامل مع تلك الأراضي. اليوم، يُقدَّر أن جزءاً كبيراً من أبناء إسحاق والسمرون والدولبهانته يعيشون كمواطنين إثيوبيين. هم لم يغادروا أرضهم طوعاً للعيش في دولة أخرى. الحدود هي التي تحركت فوق أراضيهم. وهذا يختلف تماماً عن حالة الأوجادين، حيث اختار سكانها طوعاً أن يكونوا جزءاً من إثيوبيا. أبناء صوماليلاند في الهَوْد والمناطق المحجوزة لم يُمنحوا هذا الخيار أبداً
خيانة المعاهدات
وهذه الفترة كانت في اواخر الخمسينيات وهي نقطة التحول الكبرى في الوعي الوطني. عندما سلّمت بريطانيا إدارة الهَوْد والمناطق المحجوزة رسمياً لإثيوبيا، شعر أهل صوماليلاند أن بريطانيا خانت معاهدات الحماية التي وقعتها معهم. ومن هنا خرجت مظاهرات عارمة وثقت بداية الغضب الشعبي، وتم تشكيل وفود سياسية للسفر والاحتجاج. بدأت قضية استعادة الأراضي تأخذ مكانها الجوهري في صميم الوعي الوطني، ومهدت الطريق لقرارات الاستقلال القادمة.
لذلك، عندما دخلت صوماليلاند في الوحدة مع الصومال عام 1960، لم يكن الهدف النهائي هو الذوبان الانفعالي في مشروع سياسي جديد. كان الهدف الأكبر والاستراتيجي هو تقوية الموقف العسكري والسياسي لاستعادة الأراضي التي اقتُطعت من صوماليلاند، وعلى رأسها إقليم الهَوْد. الوحدة القومية كانت مجرد وسيلة سياسية مرحلية. أما الغاية الحقيقية فكانت دائماً مسألة استعادة الأرض والحقوق التاريخية، وهذا يسقط الكثير من المغالطات التي تناولتها في مقال Isaaqland: The Mother Of Misconceptions.
ولمن يستفزه أن صوماليلاند تخلّت عن القومية الإثنية، عليه أن يعرف أننا لم نؤمن بها أصلًا كغاية نهائية. صوماليلاند لم تكن تبحث يوماً عن وهم أيديولوجي، بل كانت تبحث عن أرضها، وحقوقها، وسيادتها المطلقة.
وبالنظر الى حالنا اليوم، وكانه لم يتغير شئ!