يستطيع دبلوماسيو صوماليلاند التفاوض على شراكات، لكن على البلد أن يبني القدرة على الوفاء بها. فقد منحت انتخاباتنا الرئاسية والحزبية الناجحة في نوفمبر 2024 تحركنا الدبلوماسي مصداقية لا يصنعها أي خطاب. وما نبنيه في الداخل اليوم هو ما يمنح دبلوماسيتنا قوتها غدا.
يستحق الرئيس عرّو التقدير لتعهده بلوغ حدود صوماليلاند بالوسائل السلمية. زار السفيران السعودي والتركي المقيمان في مقديشو لاسعانود لاستفزاز صوماليلاند، مستعيدين ورقة استُخدمت واستُهلكت في عام 2023، بعد أن أدرج قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي التعاون مع صوماليلاند في التشريع الأميركي. وقد أحسن عرّو برفض الاستفزاز، فلم يسمح للآخرين بفرض مواجهة تحدد مسار بلده، وأبقى لصوماليلاند حرية متابعة أجندتها الدبلوماسية.
وعلى السياسة الداخلية أن تمنح هذا الاستقلال أساسا عمليا. فكما قلت من قبل، لا يشترط أن تكون صوماليلاند وطنا للملائكة حتى تستحق الاعتراف. نريد أن يُحكم علينا بسجلنا نحن، فلا نخفي عيوبنا ولا نقبل تحويلها إلى ذريعة لحجب الاعتراف. غاية الإصلاح هي تقوية البلد الذي نملك أمره بالفعل.
بعد أكثر من مئة مقال، هذه إحدى المرات القليلة التي أتناول فيها الشأن الداخلي بهذه السعة. وكل موضوع هنا يستحق مقالات، بل كتبا، وأرجو أن يطوره أبناء صوماليلاند ويتبنوه. فما الذي يجب أن نبنيه لتستند دبلوماسيتنا إلى قوة دائمة؟
- انتخابات ميسورة التكلفة تُجرى في موعدها.
- مساءلة عن الفساد وحماية لمن يكشفونه.
- تمويل سياسي شفاف.
- إدارة عامة تقوم على الكفاءة بدلا من المحاباة العشائرية.
- تعداد سكاني رسمي يوجّه توزيع الخدمات العامة.
- تعليم يؤهل الجيل القادم للقيادة.
- صناعة دفاعية محلية تُبنى بالشراكات.
- مشروعات زراعية وسمكية تعزز الأمن الغذائي.
على الحكومة والجهات المشرفة على الانتخابات الاتفاق على جدول انتخابي ميسور التكلفة، يجمع الاستحقاقات حيث تسمح مواعيدها بذلك. ويجب أن يأتي التوفير من كفاءة التنظيم، لأن خفض التكلفة بالتأجيل يكون على حساب حق المواطنين في الاختيار.
وفي الفترات الفاصلة بين الانتخابات، تحتاج المساءلة العامة إلى مسار واضح. على الحكومة إتاحة سجل يسهل الوصول إليه لتوثيق أدلة الفساد والردود الرسمية عليها، وحماية الصحفيين والمواطنين الذين يقدمون تلك الأدلة، وضمان محاسبة من تثبت مخالفته. تأتي الصومال ضمن الدول الحاصلة على أدنى درجة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. وصوماليلاند أفضل بكثير، لكن وضعها بعيد عن المقبول ما دمنا بالكاد نناقش الفساد أو نتصدى له. واسترداد المال العام المسروق يعيد الموارد إلى المؤسسات التي تحتاج إليها.
وعلى المدافعين عن الحريات والصحافة الحرة أن يرفعوا أصواتهم قبل اعتقال الصحفي، لا بعده فحسب. فالفساد يمكّن السلطة التعسفية، لأن المسؤول الذي يُسمح له بتجاوز القانون من أجل المال أو العشيرة يستطيع تجاوزه أيضا ليزج بأناس في السجن بلا أي سبب على الإطلاق. والحماية الدائمة تقتضي إنفاذ القانون على أصحاب السلطة، بدلا من انتظار الانتهاك التالي للاحتجاج عليه.
وفي التمويل السياسي تلتقي المساءلة الداخلية باستقلال القرار الوطني. يجب أن تفصح الأحزاب والمرشحون وقادة الأحزاب عن تمويلهم في سجل علني، مع فرض عقوبات على التهرب. ولا يكفي تسجيل اسم من يسلّم المال، بل يجب تتبع التمويل عبر الوسطاء حتى مصدره الأصلي، وإلا بقي الممول الحقيقي مستترا. يجب ألا يُسمح لخصوم صوماليلاند بشراء النفوذ باسم غيرهم.
القبلية، أو العشائرية، من أكبر صور الفساد في الشأن العام، ولذلك يجب أن تُسند قيادة الوزارات الحيوية على أساس الكفاءة. أما مراعاة التوازن العشائري في وزارات أخرى بتعيين وزير شرفي، فيجب ألا تتجاوز منصبا تشريفيا بلا صلاحيات تنفيذية. وتبقى إدارة تلك الوزارات وسلطة التوظيف فيها بيد مديرين عامين مختارين بالكفاءة، يختارون الموظفين على الأساس نفسه، وإلا تحول التعيين الشرفي إلى منفذ يعيد المحسوبية التي يفترض أن يحد منها. يجب أن تقف التسوية السياسية عند الفرد المعين، مع عدم التسامح مطلقا مع المحاباة العشائرية في المستويات الأدنى. لا يمكن أن نقبل هرما عشائريا يبدأ بالوزير وينتهي بعامل الشاي.
وتحتاج الخدمات العامة إلى معلومات موثوقة عن السكان الذين تخدمهم الحكومة. لذلك عليها إجراء تعداد سكاني رسمي باستخدام التكنولوجيا الحديثة، ثم توزيع الخدمات وفق احتياجات السكان خارج هرجيسا وغيرها من المراكز الحضرية. يجب أن تكون للمجتمعات النائية مكانتها في التخطيط الوطني، مهما بعدت عن أصحاب القرار.
التعليم، التعليم، التعليم. تابعت سياسة صوماليلاند عشرين عاما، ورأيت المشكلات نفسها تتكرر. لو جعلنا التعليم أولوية طوال تلك السنوات، لربما كان من يبلغون العشرين اليوم أقدر منا على قيادة التغيير. تمنح السياسة النخب النافذة طريقا مختصرا لتغيير الأغلبية من فوق، أما التعليم فيمنح كل فرد القدرة على التفكير والعمل، ويوسع دائرة القادرين على تغيير المجتمع خارج من يشغلون المناصب. وتتيح التكنولوجيا أدوات جديدة للتدريس والتعلم المستقل، وما زالت السنوات العشرون القادمة أمامنا لنستثمر فيها.
ويمكن لهذا الاستثمار أن يوفر أيضا الخبرات اللازمة لصناعة دفاعية محلية. فالعزلة الطويلة تزيد قيمة الإنتاج المحلي، والتهديدات البحرية، ومنها القرصنة، تمنحه غرضا عمليا. على الحكومة السعي إلى شراكات أوروبية وإسرائيلية تنمي المهارات المحلية وإنتاج الطائرات المسيّرة والأسلحة النارية والخفيفة، وتوفر فرص عمل للشباب. ويجب أن يضمن الحكم النزيه والرقابة القانونية بقاء هذه الأسلحة في أيد مسؤولة. الغاية هي بناء قدرة صوماليلاند على الدفاع عن نفسها وحماية الملاحة الدولية، وهي تتحمل مسؤوليتها في جنوب خليج عدن. ودولتنا ذات الروح الريادية تملك مقومات البداية والعلاقات والدافع إليها.
ويجب أن تشمل القدرة الإنتاجية إمدادات الغذاء أيضا. على الحكومة إطلاق مشروع الحزام الأخضر الغربي لتطوير عشرة آلاف هكتار من الأراضي الزراعية المنتجة، بالاعتماد على حصاد مياه الأمطار والسدود الصغيرة والري بالطاقة الشمسية والبذور المحسنة وصوامع الحبوب ومنشآت التصنيع الزراعي. فربط الإنتاج بالتخزين والتصنيع يجعل المشروع استثمارا في الأمن الغذائي، لا مجرد توسيع للمساحة المزروعة.
أما مشروع الثروة السمكية الشرقي، فيشمل بناء ميناءين حديثين للصيد، وإنشاء أسطول تجاري، وتطوير مصانع للثلج ومرافق للتخزين البارد ومصانع لتجهيز المنتجات البحرية ووسائل للنقل المبرد، لتصل الأسماك إلى المستهلكين وأسواق التصدير. وينبغي تنفيذ المشروعين الغذائيين على مراحل، وفق إدارة مستدامة للمياه وحصص محددة للصيد. والهدف هو توفير الوظائف وزيادة الإنتاج الغذائي المحلي وفتح أسواق تصدير جديدة، دون استنزاف الموارد التي يقوم عليها هذا الإنتاج.
وخلاصة القول، ينبغي أن يحمل الوفد الدبلوماسي القادم أكثر من مقترحات، وأن يحمل معه حصيلة ما بناه أبناء صوماليلاند.