108. تصريح ترامب عن صوماليلاند والزلزال الذي لم يقع

🌐 اقرأ بالإنجليزية
108. تصريح ترامب عن صوماليلاند والزلزال الذي لم يقع

لم تكن أهم إشارة في تصريح الرئيس ترامب عن صوماليلاند، بل في ما أعقبه. ففي تجمعه الانتخابي بمدينة يونغستاون في أوهايو يوم 12 أكتوبر، توقف وسط هجومه على الصومال ليميّز صوماليلاند عنه بوصفها بلدا مختلفا تماما، ويشير إلى أن هناك من يحبها. ثم مرت الأيام التالية من دون أن تتفكك أفريقيا. وهذا الهدوء يستحق اهتماما استراتيجيا أكبر من الحماسة التي أثارها مجرد ذكر الاسم.

كان هذا التمييز موضع ترحيب، لكن على أبناء صوماليلاند أن يبقوا معيار النجاح واضحا. فذكر رئيس أميركي لبلدنا لا يغني عن اعتراف كامل من الولايات المتحدة. ولم تكن هذه أول مرة يتناول فيها ترامب الموضوع؛ فقد سبق أن قال إن إدارته تدرسه، ثم تساءل لاحقا عمن يعرف صوماليلاند أصلا. أما هذه المرة فأدخل التمييز في خطاب لا يتعلق بها، من دون أن يطرحه عليه صحفي بسؤال. بل اقترح فكرة قديمة يتداولها أبناء صوماليلاند، وهي تغيير اسم البلد.

وتزداد أهمية هذا التمييز حين يتعلق الأمر بترامب. فهو سياسي استثنائي، لكن تغيير انطباع استقر في ذهنه يظل صعبا؛ وقد بلغ الثمانين محملا بعقود من التصورات الراسخة، فلا يبدأ النظر إلى كل بلد من صفحة بيضاء. ومن أمثلة ذلك تكراره الادعاء بأن إلهان عمر تزوجت شقيقها. لم تثبت صحة هذا الادعاء، أما القول إن ذلك الزواج أتاح لها دخول أميركا فيقلب التسلسل الزمني، لأنها وصلت لاجئة قبل الزواج المعني بسنوات طويلة. ويكشف موقفه من سد إثيوبيا، وصورته المتكررة عن الصومال، مدى رسوخ الانطباع الأول أيضا. لذلك يحتاج إدخال هذا التمييز في تصوره إلى أكثر من ورقة إحاطة توضع على مكتبه.

يستحق المدافعون عن صوماليلاند ومسؤولوها التقدير على متابعة هذا العمل عبر القنوات الرسمية والعلاقات الشخصية ومنصة إكس. ولا يمكن إرجاع النتيجة إلى محادثة واحدة أو مصافحة بعينها، لكن التصريح ينسجم مع وصول جهود متواصلة إلى ترامب والمحيطين به. وإشارته إلى وجود مؤيدين لصوماليلاند تمنح هذه العلاقات قيمة خاصة. لذا ينبغي توسيع هذا التحرك الدبلوماسي، والحفاظ على الصداقات حتى بعد انصراف الأضواء الإعلامية عنها.

وأمام هؤلاء المؤيدين الآن فرصة أهم. فرئيس أقوى دولة في العالم ميّز علنا بين صوماليلاند والصومال أمام جمهور سياسي واسع. صحيح أن الإعلان الرسمي يملك سلطة لا تملكها عبارة مرتجلة في تجمع انتخابي، لكن الموقف السياسي قيل على الملأ وانتشر على نطاق واسع. وسواء جاء ذلك عفوا أم عن قصد، فقد أتاح للمحيطين بترامب أن يرصدوا ما يحدث عندما يتعامل مع البلدين بوصفهما دولتين مختلفتين.

فأين حركات الاستقلال الأفريقية العشرون التي قيل إنها تنتظر تلك العبارة؟ وأين الحرب الإقليمية التي يفترض أن يشعلها الإقرار بصوماليلاند تلقائيا؟ لم يقع أي منهما في الأيام التي أعقبت التصريح. ولم تتحول التشكيلات السياسية الفيدرالية في الصومال، التي يهيمن عليها أمراء الحرب، فجأة إلى عشرين نسخة من صوماليلاند. فهي تعرف الفرق بين صراعاتها على السلطة داخل الصومال وتمسك صوماليلاند بسيادتها المستعادة. والسابقة التي تعني هذه القوى هي تشظي الصومال الداخلي، أما صوماليلاند فليست نموذجا جاهزا لكل فصيل يسعى إلى منصب أو أرض.

هنا تكمن ثغرة حجة صندوق باندورا. فخصوصية حالة صوماليلاند لا تتحول إلى إذن مفتوح للجميع لمجرد أن رئيسا أميركيا أقر بها. وقد قدم اعتراف إسرائيل اختبارا أقوى، لأنه كان قرار دولة فعليا. وأثار إدانات، منها إدانة الاتحاد الأفريقي، لكن الإدانة تختلف عن موجة الاضطراب التي يزعم المعترضون أنها ستجتاح القارة تلقائيا، ويتخذونها ذريعة لمنع الاعتراف. يستطيع الخصوم الاعتراض على صوماليلاند وهم يدركون في الوقت نفسه لماذا تختلف حالتها.

بات لدى مؤيدي ترامب ما رصدوه من ردود فعل، ليقارنوه بتوقعات الاضطراب الفوري. وعليهم استخدامه لمساءلة أصحاب تلك التوقعات مباشرة، وسؤالهم عن العواقب المحددة التي يتوقعونها من إعلان رسمي وأسبابها، بدلا من قبول تحذير مبهم مبررا كافيا للتأجيل الدائم.

ولن يكون اتخاذ قرار من دون موافقة الاتحاد الأفريقي سابقة لترامب. فقد اعترف في ديسمبر 2020 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، خلافا لموقف الاتحاد من حق الصحراويين في تقرير المصير. وأيا كان الرأي في ذلك القرار، فقد أثبت استعداده لاتخاذ قرار أميركي بشأن الاعتراف من دون الحصول على موافقة المنظمة.

أما السابقة الأقرب إلى الاعتراف بانتهاء اتحاد قام على فكرة سياسية فتسبق ترامب بعقود. فقد شكلت مصر وسوريا الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، ثم أنهت سوريا التجربة من جانب واحد في سبتمبر 1961. وفي 10 أكتوبر اعترفت واشنطن بالدولة السورية التي استعادت استقلالها. لقد جمع بين دولتين مستقلتين طموح سياسي، ولم يكن فشل المشروع يلزم أميركا بالإبقاء على الاتحاد في تعاملها الدبلوماسي.

وتصبح هذه المقارنة أنفع حين ننطلق من أن صوماليلاند كانت دولة ذات سيادة، بدلا من تصوير الاعتراف بها بوصفه خروجا على المألوف لا يقدم عليه إلا ترامب. دخلت صوماليلاند في اتحاد بحكم الأمر الواقع مع دولة الصومال، التي كانت خاضعة سابقا للإدارة الإيطالية. ولمحاولة الاتحاد هذه تاريخ قانوني مختلف، لكن السؤال السياسي المشترك يبقى واحدا. هل ينبغي لتجربة فاشلة أن تقيّد أطرافها السابقة إلى الأبد؟

ومهمة أصدقاء صوماليلاند المحيطين بترامب هي أن يضعوا هذه الدروس أمامه ويدفعوا نحو القرار. فلديهم فرصة راهنة وسابقة أميركية أقدم للتحرك من دون انتظار اعتراف الشريك السابق. وعلى مسؤولي صوماليلاند والمدافعين عنها مواصلة تعميق الصداقة مع الولايات المتحدة، بحيث يقود الوصول إلى صناع القرار إلى اعتراف رسمي وعلاقة دائمة بين البلدين.

ابحث عن المقال في X
...
تصفيق