109. ليس تحالفا سداسيا: ما الذي يجمع صوماليلاند وإسرائيل والإمارات حقا؟

🌐 اقرأ بالإنجليزية
109. ليس تحالفا سداسيا: ما الذي يجمع صوماليلاند وإسرائيل والإمارات حقا؟

يحب كثيرون حشر الدول في تكتلات صغيرة، لأن ذلك يسهل اختزال الجغرافيا السياسية في قوالب جاهزة. يلونون الدول على الخريطة، ثم يسوقون عفنهم الفكري بوصفه تحليلا متأنيا وعميقا. لكن الألوان تحجب السؤال الأهم. ما الذي التزمت به كل دولة، وبشروط من؟

لم يوقع أحد على شيء اسمه «السداسي». ذكر نتنياهو الفكرة مرة واحدة، وانتهى الأمر. وتحويل تلك العبارة إلى تحالف قائم يخلط بين ترتيب يفضله سياسي والتزامات تعهدت بها دول ذات سيادة فعلا. أما باكستان فتقول الآن إن إيران قد تنضم إلى تكتلها. ذلك هو حال المحاور الجيوسياسية التي يزعمون أنها ثابتة.

حين تجعل التعددية المصغرة الدول الصغيرة ترث أعداء غيرها، فإنها تصبح أم الشرور. وهي في كثير من الأحيان خيار الجبناء بين الواقعية والليبرالية. فهي تستعير من الواقعية لغة القوة، لكنها تخضع المصالح الوطنية لمعسكر، وتستعير من الليبرالية لغة التعاون، لكنها تكرس الانقسام الإقليمي.

يمكن للتعاون بين عدد قليل من الدول أن يخدم مصالح مشتركة بعينها، فالالتزام المحدد بمواجهة تهديد مشترك لا يعني أن نترك عاصمة أخرى تقرر لنا كل صداقة وخصومة لاحقة.

نتنياهو مخطئ في تصوره لمعسكرات متقابلة، فما تحتاجه صوماليلاند هو سياسة خارجية مبدئية، قوامها بناء منطقة مترابطة ومستقرة حول البحر الأحمر. وعلى حكومتنا أن تقيس التنافس الإقليمي بما يفتحه من فرص اقتصادية وما يحققه من تعايش، لا بالدول التي يستبعدها.

إسرائيل محاطة بخصوم، وهو ما يجعل سعيها إلى الأمن مفهوما، وتوسيع دائرة التعايش والسلام ضرورة. وقد أظهرت اتفاقات إبراهيم قيمة تحويل العداء إلى علاقات. وعلى إسرائيل أن تعالج في سياستها الأمنية أسباب ذلك العداء، إلى جانب مواجهة التهديدات المباشرة.

أرى بين صوماليلاند وإسرائيل والإمارات توجها مشتركا نحو المستقبل قوامه القومية المدنية. وهي الفكرة العامة نفسها التي أسهمت في بناء كثير من أنجح دول أوروبا وآسيا وأميركا. وأقصد بها انتماء سياسيا يقوم على المواطنة والمؤسسات المشتركة والمستقبل الوطني المشترك. فلا تختزل الدولة في عشيرة أو طائفة أو شخص يحكمها.

المقصود هنا مسار لبناء الدولة، لا الزعم بأن الأنظمة السياسية متطابقة أو أن مسائل الانتماء قد حسمت. ووجود الإمارات في هذه المقارنة يوضح لماذا لا يمكن اختزال القومية المدنية في ثنائية الديمقراطية والاستبداد. فقد يتقاطع المشروع الوطني مع حرص الحاكم على البقاء في السلطة، لكن التنمية وحدها لا تثبت تحقق الانتماء المدني. والمعيار هو ما تمنحه المؤسسات والفرص للمواطنين من مصلحة راسخة في بلدهم.

أما جانب كبير من بقية النظام السياسي الإقليمي، فتشكله أنظمة استبدادية تستعير من الأفكار والتحالفات والتسميات ما يبقيها في السلطة. ولا يعول على تقارب معلن إذا ظلت المصالح الوطنية قابلة للتضحية كلما احتاج الحكام إلى قضية جديدة. ولا يستقيم التعاون إلا على احترام متبادل لأمن كل دولة وازدهارها.

إذا كان الهدف بناء مستقبل وطني مستدام، فقد ينفعنا جار مسالم أكثر من عدو مفيد. فالتجارة تجعل لكل دولة مصلحة في نجاح الأخرى، والتعايش يتيح توجيه الموارد إلى التنمية الوطنية بدلا من المواجهة الدائمة. هذه الحوافز لا تلغي النزاع، لكنها تمنح الدول أسبابا لحله. والتعاون القائم عليها ينبغي أن يصمد حتى بعد إقرار السلام مع دولة ثالثة، بخلاف اصطفاف لا يجمع أطرافه سوى أعداء مشتركين.

علينا أن نتوقف عن اعتبار كل ذكر لاسم صوماليلاند انتصارا. وعلى هرجيسا أن تطرح ثلاثة أسئلة بشأن أي اتفاق مقترح. هل يعزز مؤسسات صوماليلاند وأمنها وفرصها الاقتصادية؟ وهل التزاماته محددة ومتبادلة؟ وهل يحفظ لنا حرية إقامة علاقات سلمية مع الآخرين؟

الجغرافيا السياسية ليست كراسة تلوين للأطفال.

ابحث عن المقال في X
...
تصفيق