حين يقول الانعزاليون «أمريكا أولاً»، فإنهم يقصدون في كثير من الأحيان أمريكا فاترة. على واشنطن أن تجعل الشعار التزاماً ببقاء الولايات المتحدة القوة العظمى التي لا ينازعها أحد، عبر كسب الحروب وحماية التجارة وتأمين الممرات الاستراتيجية ومساندة الحلفاء وصياغة النظام الدولي. وحيثما أمكن، تشمل هذه المهمة دعم حرية الشعوب المقهورة، وهو أحد الأسباب الأخلاقية التي تجعل الحلفاء يختارون واشنطن على بكين أو موسكو.
يريد كثير من الانعزاليين قوة متوسطة ثرية تختبئ خلف محيطين ولا تكاد تغادر أمريكا الشمالية، كأن البعد الجغرافي استراتيجية، وكأن الازدهار منفصل عن النظام الدولي الذي يحميه. كان هذا المنطق سيفشل في الأربعينيات، حين لم تستطع أمريكا ضمان أمنها باعتبار الحرب العالمية الثانية مشكلة تخص الآخرين. ولا يتوقف التهديد عن مس مصالحها لمجرد أنه بدأ بعيداً عن شواطئها.
لا يعني ذلك دخول كل حرب أو احتلال كل دولة معادية. فحماية القوة تتطلب ترتيب الأولويات والعمل والالتزامات الموثوقة، بما فيها القوة أو الدبلوماسية حين يتعذر الدفاع عن المصالح الحيوية من الداخل. وكما أوضحت في سياسة ترامب الخارجية الواقعية، فالواقعية استخدام منضبط للقوة في خدمة المصلحة الوطنية.
يكشف مضيق هرمز التناقض حين يقر الانعزاليون بأهميته للاقتصاد الأمريكي ثم يرفضون أي دور أمريكي فيه. فأسواق الطاقة وتأمين الشحن واقتصادات الحلفاء وحرية الملاحة مترابطة، كما أظهرت إعادة فتح المضيق. والدولة التي تعتمد على ممر مفتوح لا تستطيع إعلان أمنه مسؤولية الآخرين.
كان أحد أهداف حرب إيران تمكين القوى الإقليمية من إدارة جانب أكبر من أمنها من دون انتشار أمريكي دائم أو تدخل دبلوماسي في كل تفصيل. فتحمل كلفة محدودة اليوم قد يخفض أعباء أكبر غداً، لكن الحرب انتهت قبل تحقيق هذه الأهداف بالكامل. ولذلك يتعين على واشنطن تكثيف دبلوماسيتها بدلاً من التراجع. ضبط القوة العسكرية بعد نتيجة غير مكتملة ينقل العبء إلى الدبلوماسية.
اختزال الحرب في خدمة لنتنياهو يتجاهل أمن الخليج وحرية الملاحة وممراً حيوياً للطاقة. كانت للسعودية مصلحة في تغيير النظام قبل أن تتراجع، وكذلك لسياسيين سنة وقطاعات من الرأي العام من لبنان إلى اليمن. وكانت إسرائيل الصوت الأعلى والأكثر استمراراً لأنها واجهت تهديداً وجودياً من جماعات تمولها إيران، لكنها كانت صوتاً واحداً بين مصالح إقليمية عدة.
كثيراً ما تمحو اتهامات الصهيونية والقوالب المعادية لليهود هذه المصالح وأهمية الأمن البحري. وهذا تحليل بالشعارات، لكن الإقرار بهذه المصالح لا يعني أن الحرب وحدها تحقق الاستقرار، إذ لا تكفي القوة العسكرية وحدها لمعالجة ملف إيران. ولا يجوز اتخاذ إسرائيل ذريعة لإنكار المصالح الأمريكية المستقلة في النتيجة.
قبول السلام مؤقتاً وانتظار فرصة أفضل خيار يستحق نقاشاً جاداً، شأنه شأن الاستراتيجية والتوقيت والتنفيذ والكلفة وموثوقية الحلفاء. هذه الأسئلة تختبر حسن استخدام القوة، أما الانعزالية فتشكك في استخدامها خارج القارة أصلاً. والقوة العظمى لا تحمي مصالحها بمكالمات الفيديو والبيانات الصحفية والتمنيات وحدها.
القوى العظمى لا تقود بالاختباء. وحين تكف أمريكا عن صياغة العالم المحيط بها، تصبح «أمريكا أولاً» أمريكا فاترة.