82. الوصايا العشر للسلام في الشرق الأوسط

🌐 اقرأ بالإنجليزية
82. الوصايا العشر للسلام في الشرق الأوسط

أولاً. إسرائيل حقيقة

إسرائيل دولة شرعية، وإنكار ذلك ليس تحليلاً. يقر الكتاب المقدس والقرآن بالصلة القديمة لبني إسرائيل بهذه الأرض. أما الآيات القرآنية المتصلة بالصراع مع جماعات يهودية في جزيرة العرب، فقد نزلت في ظروف تاريخية محددة وارتبطت بالدفاع وصراعات زمانها. لم تكن أمراً عقدياً بعداء دائم. لذلك من الخطأ اقتطاع تلك الوقائع من سياقها وتعميمها على غير المسلمين أو على يهود اليوم.

ويظهر هذا التمييز في مؤسسات إسرائيل أيضاً. فنظامها القانوني يعترف بالمحاكم الشرعية، وتضم تل أبيب يافا مساجد عدة، منها مسجد حسن بك. ولم يمنح نظام سياد بري الشيوعي في الصومال استقلالاً دينياً مماثلاً، إذ قيد تطبيق الشريعة واضطهد علماء الدين، ووضع المساجد تحت سيطرة الدولة.

ولا تستند شرعية إسرائيل الحديثة إلى النص الديني وحده. فلديها سكان دائمون ومؤسسات فاعلة واعتراف دولي وقدرة على الدفاع عن نفسها. ووفق النظام الدولي الحديث، قُبلت عضواً في الأمم المتحدة سنة 1949، ويقوم ميثاق المنظمة على المساواة في السيادة بين أعضائها. يمكن الاعتراض على حدود إسرائيل أو سياساتها أو سلوكها من دون إنكار وجود الدولة نفسها. وأي حل جاد يجب أن يبدأ من حقيقة بقائها، مثلما تبدأ كل استراتيجية إقليمية جادة من العالم القائم لا من الخريطة التي يتمناها أصحابها.

ثانياً. التاريخ الأصيل مهم

القول إن كل إسرائيلي مستوطن أوروبي حديث تزوير للتاريخ. ويتجاهل كذلك أن العرب يشكلون 21 في المئة من سكان إسرائيل. وتشير تقديرات بحثية إلى أن أكثر من 40 في المئة من يهود إسرائيل ينحدرون من أصول مزراحية، فيما يسبق وجود المجتمعات اليهودية في العراق واليمن وبلاد الشام وشمال أفريقيا الصهيونية الحديثة بقرون. ويوثق متحف الهولوكوست التذكاري في الولايات المتحدة عيش مجتمعات يهودية أصيلة في شمال أفريقيا طوال قرون. وجاء كثير من الإسرائيليين من مجتمعات عاشت داخل الدولة العثمانية أو على حدودها أو بجوارها. لا يجوز محو تاريخهم لتبسيط شعار سياسي.

ثالثاً. العالم اعترف بتقسيمات أبشع

من يصف هذا الصراع بأنه أشد صراعات التاريخ شراً أو كارثية يكون قد فقد الإحساس بالتناسب. فقد أدى تقسيم الهند البريطانية سنة 1947 إلى اقتلاع نحو 15 مليون إنسان ومقتل ما بين نصف مليون ومليوني شخص. كان ذلك التقسيم أشد دموية وفوضى من تقسيم الانتداب البريطاني على فلسطين. ولا تقلل المقارنة من آلام الفلسطينيين أو الإسرائيليين، بل تضع الانفعال جانباً وتعيد النقاش إلى التفكير الصادق.

رابعاً. نزع سلاح حماس

حماس منظمة إرهابية، ويجب تفكيكها ونزع سلاحها. وقد حظرتها المملكة المتحدة بكاملها، لا جناحها العسكري وحده. لا يستطيع مجتمع أن يبني حريته تحت سلطة حركة مسلحة تجعل حياة المدنيين تابعة لحرب عقائدية. يبدأ التجدد السياسي الفلسطيني عندما يفقد السلاح حق النقض على المستقبل.

خامساً. القوة لا تصنع مصالحة

لن تحقق إسرائيل سلاماً دائماً بالقوة العسكرية وتحالفها مع الولايات المتحدة وحدهما. تستطيع القوة ردع الأعداء وتدمير قدراتهم ومنح فترات من الأمن، لكنها لا تصنع قبولاً إقليمياً. وكما أوضحت في الحرب لن تحقق الاستقرار في الشرق الأوسط، يجب أن تخدم القوة بناء سياسياً، وإلا تحولت إلى انتظار باهظ الكلفة.

سادساً. التعقيد يفرض الصدق

واجهت إسرائيل في غزة مقاتلين يعملون وسط بيئة مدنية كثيفة، ورهائن محتجزين تحت الأرض، وحركة حاكمة أعدت ساحة القتال طوال سنوات. لم تواجه معظم الدول هذا المزيج. ولا يعني ذلك أن كل قرار إسرائيلي كان صحيحاً، بل يعني أن الإدانة أسهل من تقديم بديل عملي يحمي المدنيين الإسرائيليين ويحرر الرهائن ويهزم حماس ويحفظ حياة المدنيين الفلسطينيين في آن واحد.

سابعاً. وقعت إبادة في غزة

يحمل دمار غزة سمات إبادة جماعية. فأحياؤها المدمرة وأعداد قتلاها وعائلاتها المشردة تذكرني بإبادة شعب إسحاق ومرآة صوماليلاند. هذا حكم أخلاقي يستند إلى ما نراه، وليس ادعاء بأن المسألة القانونية حسمت نهائياً. فما زالت القضية أمام محكمة العدل الدولية. والاعتراف بحجم الدمار لا يقتضي إنكار حق إسرائيل في الوجود. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، ما زال الفلسطينيون يموتون بأعداد كبيرة، ووصف ما يجري بالإبادة موقف مسؤول يضغط من أجل وقف العنف.

ثامناً. الألم لا يمنح دولة تلقائياً

حتى الإبادة المزعومة لا تضمن قيام دولة تلقائياً. قد تؤسس المعاناة مطالب قوية بالعدالة والحماية والعودة والتعويض والمحاسبة. لكن إبادة الروما الأوروبيين على يد النازيين، والإبادة ضد التوتسي في رواندا، وإبادة الإيزيديين على يد تنظيم داعش، لم تنتج دولاً مستقلة جديدة لتلك الجماعات. وتبقى الدولة مسألة سياسية وقانونية منفصلة تتعلق بالأرض والمؤسسات والأمن والقدرة على الحكم.

تاسعاً. حل الدولتين خدعة

لا يستطيع اعتراف معظم دول العالم أن يصنع دولة فاعلة. تحدد المادة الأولى من اتفاقية مونتيفيديو أربعة شروط معيارية لقيام الدولة. وهي سكان دائمون، وإقليم محدد، وحكومة، وقدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى. لدى فلسطين سكان دائمون بلا شك، لكن إقليمها متنازع عليه ومجزأ، وحكمها منقسم بين السلطة الفلسطينية وحماس، ولا يملك أي منهما سيطرة موحدة ومستقلة. تعترف أكثر من 150 دولة بفلسطين، لكن الاعتراف لا ينشئ المؤسسات الغائبة.

وتقدم تايوان تحذيراً تاريخياً مختصراً. فقد اعترفت حكومات كثيرة بجمهورية الصين حكومة ممثلة للصين، ثم غيرت موقفها واعترفت بجمهورية الصين الشعبية عندما تغيرت الحقائق السياسية والعملية. وقد أجرت الولايات المتحدة هذا التحول سنة 1979. يستطيع العالم أن يعترف بترتيب سياسي خاطئ ثم يتراجع عنه. والاعتراف بفلسطين ليس محصناً من المراجعة نفسها، كما أن كثرة الدول المؤيدة له لا تجعل ترتيباً غير قابل للحياة قابلاً للتطبيق.

ولا يجوز تجاهل سجل القيادة الفلسطينية في الحكم. ففي عهد عرفات، بنت منظمة التحرير الفلسطينية دولة مسلحة داخل الدولة في الأردن، وتحدت سلطة الملك حسين، وانتهى الصدام إلى أحداث سبتمبر الأسود سنة 1970. ثم أقامت حماس نظاماً مسلحاً آخر في غزة، ساعد على بنائه التمويل والسلاح والتدريب الإيراني. ويقدم حزب الله أوضح نموذج إقليمي للمآل المحتمل، فهو وكيل إيراني مسلح يعمل خارج سلطة الدولة ومؤسساتها. وعلى أي مقترح لسيادة فلسطينية أن يفسر كيف سيمنع تكرار هذا الخطر بمحاذاة التجمعات السكانية الإسرائيلية.

عاشراً. حرروا الفلسطينيين، لا فلسطين

أما تحرير الفلسطينيين ومنحهم الكرامة والحقوق والأمن والمستقبل، فنعم بلا تردد. حريتهم ضرورة أخلاقية، حتى إن لم تكن دولة تقليدية جديدة هي الوسيلة المسؤولة لتحقيقها. ينبغي الحكم على الكونفدرالية والسيادة المشتركة والضمانات الإقليمية وغيرها من الترتيبات العملية بما تقدمه للإنسان، لا بمدى مطابقتها للشكل المألوف على الخريطة.

وينطبق المنظور نفسه على التمثيل القومي. فالعالم العربي يضم 22 دولة عضواً في جامعة الدول العربية، ما يجعله غنياً بصورة استثنائية بالتمثيل السيادي. وفي المقابل، ما زال نحو 30 مليون كردي من أكبر الشعوب التي لا تملك دولة مستقلة، بينما يملك الشعب اليهودي دولة واحدة. لا يلغي ذلك حقوق الفلسطينيين، لكنه يضع الاعتراض على وجود دولة يهودية واحدة في سياقه الصحيح.

ولا يمكن استبعاد الأردن من هذا النقاش. فأكثر من نصف سكانه من أصول فلسطينية، ويحمل معظم الأردنيين من أصول فلسطينية الجنسية الأردنية.

لا تفتقر المنطقة إلى الأعلام. ما ينقصها هو خطة جادة لحرية الفلسطينيين.

عدد الكلمات: 1,024

ابحث عن المقال في X

...
تصفيق